عبد الكريم الخطيب

431

التفسير القرآنى للقرآن

وشتّان بين دعوته ودعوتهم . . وإنه إذا لم تكن منهم استجابة له ، فلا أقلّ من أن يدعوه وشأنه ، وأن يدعوا النّاس وما يختارون لأنفسهم من موقف إزاء دعوته ودعوتهم ، وألا يحولوا بينه وبين من يستجيب له منهم ، وألا يتسلطوا على الذين آمنوا معه ، ويحملوهم على السير معهم في هذا الطريق الذي ارتضوه ، وأبوا أن يتحولوا عنه . . وهذا ما يشير إليه قوله تعالى على لسان شعيب : « أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ ؟ » أي أيكون هذا موقفكم منّا ، ووعيدكم لنا بالإخراج من القرية ، إن كنا مصرّين على موقفنا ، متمسّكين بعقيدتنا ، كارهين لما تدعوننا إليه من العودة إلى ملّتكم ؟ إنّ الدّين لا يكون عن إكراه ، وإن العقيدة لا تقوم على التسلط والقهر . . فكيف تكرهوننا إكراها على دين لم نقبله ، وعلى عقيدة لم نرضها ؟ إنّه لا إكراه في الدين ، وإننا لن نكرهكم على ما ندعوكم إليه ، فكيف تكرهوننا على ما تدعوننا إليه ؟ ثم تهددوننا بالطرد من قريتنا إن لم نستجب لكم ؟ ذلك ظلم مبين ، وعدوان آثم . « قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها » . . أي إننا وقد عرفنا الحق ، وآمنا به عن فهم واقتناع ، فإن الحيدة - بعد هذا - عن طريق الحق ، هي افتراء على اللّه ، وكذب صراح في وجه تلك الحقيقة المشرقة . . « وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا » . إذ كيف يقبل عاقل أن يرد موارد الهلاك بعد أن خلص منها ، وسلك مسالك النجاة ؟ « وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً » . إنّنا لن نعود أبدا إلى ملتكم بعد أن نجانا اللّه منها ، إلّا أن يكون ذلك عن مشيئة سابقة للّه فينا ، وعن قدر قدّره علينا ، فذلك من شأن اللّه وحده ،